حيدر حب الله
53
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
التراث الشيعي الإمامي ، والذي أتانا مع العلماء الأفذاذ ينتهي إلى رجلين : أحدهما النجاشي وثانيهما ابن عقدة الزيدي الجارودي الذي هو المرجع لعلماء الرجال القدامى ، فإذا أسقطنا قوله ؛ لعدم كونه إمامياً ، مع اشتراط الإمامية في الشاهد ، لم يبق سوى النجاشي ، وحيث إنه واحدٌ فلا يؤخذ بشهادته وفقاً لهذه النظريّة ، فتنهار التوثيقات وغيرها ، وتذهب وتُهمل بذلك الأحكام الشرعيّة المدلول عليها بالروايات . وهذا الكلام - بصرف النظر عن صحّة الصغرى التي فيه ، وهي أنّ كلّ ما بأيدي الإماميّة من تراث رجالي يرجع إلى هذين الرجلين ؛ فإنّ لنا ملاحظات على هذا الكلام سيأتي بحثها بعون الله تعالى - يعاني من المشكلة المتقدّمة ، وهي أنه يفترض سلفاً وجود أحكام واقعيّة خالدة في الروايات التي بين أيدينا مما لم نصله بالقطع أو الاطمئنان أو نبلغه عبر القرآن الكريم . . وأنه لو لم نعط الحجية لقول الرجالي لضاعت هذه الأحكام ، وهذا الكلام : أ - لا نُحرز حصول صغراه وقد فصّلنا فيه في مباحث حجية السنّة في علم أصول الفقه « 1 » ، وقلنا : إنّ السنّة الشريفة ليست كلّها مما يقدّم حكماً شرعياً أو مفهوماً دينياً ، بل بعضها يكرّر ما جاء في القرآن ، وبعضها يستدلّ على أمر ديني . كما أنّ جملة وافرة منها يمكن تحصيل الاطمئنان بصدوره بجمع القرائن وحشد نصوص الحديث عند المسلمين قاطبة . وكبرى مشاكل الفقهاء أنهم افترضوا الفقه الذي بين أيدينا مسلّماً ، ثم تصوّروا أنّ أيّ اهتزاز قويّ فيه معناه أنّ منشأ الاهتزاز خاطئ ، مع أنّ هذه الطريقة التي ترجع إلى ما يراه السيد الصدر « 2 » عنصراً نفسيّاً يمكن تبريره معرفيّاً على نظرية المذهب الذاتي للمعرفة ، يفترض أن تكون عكسيّة ؛ لأنّ هذا الفقه مبنيّ على تلك النظريات الكبرى ، وليست هي مبنيّةً عليه ، فكيف يمكن قلب الصورة ؟ !
--> ( 1 ) راجع : حيدر حب الله ، حجيّة السنّة في الفكر الإسلامي ، قراءة وتقويم : 248 - 254 . ( 2 ) انظر : محمد باقر الصدر ، مباحث الأصول ق 2 ، ج 2 : 93 - 97 .